الثلاثاء، 26 فبراير 2013

سَاْرَّهْ


                                                          سَاْرَّهْ


لا يعرف ما الذي دفعه إلى صعود التل عصر ذلك اليوم. فها هوللمرة الأولى - يغادر مدينته الصغيرة بأزقتها الموحلة وطرقاتها الضيقة التي حوصرت فيها كافة أطوار حياته القصيرة، ويتجه صوب التل المعشوشب القائم ورائها منذ بداية الزمان. ها هو يجدّ في خطواته الصاعدة التي يجدها بطيئة مثاقلة؛ فهي لم تعتد الصعود أبداً طيلة حياتها في تلك المدينة التي غفل عنها الزمن، وغفل عنها أهل المدن الأخرى والبلاد البعيدة السعيدة.

يستمر في صعوده البطيء فوق العشب الطري بقدميه الحافيتين الجافيتين حتي يبلغ بقعة مستوية من الأرض ممتلئة بذلك العشب الأخضر القصير ثلاثي الأوراق، وبعض الزهور البرية البيضاء الصغيرة المتناثرة هنا وهناك. يلقي بنفسه على تلك البقعة علّه يستريح من عناء الصعود. يمتزج لهاث أنفاسه المتقطعة بصوت أفكاره المتهدج وهو يخافت نفسه بما تنوء به حياته مما لا يرغب فيه، وسواه الذي يبحث عنه لكنه لم يجده. يظل على ذلك الحال بين رقود وجلوس مضطرب مضطرم محدقاً بمدينته المبسوطة أمامه تحت ذلك التل.

"عفواً.. أنت تجلس قي بقعة أحلامي!"
قيلت بصوت أنثوي رقيق شق غلاف السكون الكائن، وجعله ينتفض فزعاً باحثاً عن مصدره. فإذا هو يبصرها؛ وكأنما هي زهرة تفتحت وسط خضرة العشب البهيجة حال ترقرق قطر الندى صبيحة يوم ربيعي جميل.

"أنت تجلس في مكان أحلامي الذي أحلم فيه."

يزداد وجومه لدي سماع قولها العصي على عقله المدفون تحت التراب المتراكم منذ وقت طويل، فعاجلها بالسؤال "وما الأحلام؟"

بوغتت بالسؤال الذي بدا غريباً على مسامعها، فهي لم تعتقد يوماً أن يكون هناك شخصاً لا يعرف الأحلام، فالحلم والحياة -كما تراهما- متلازمان ووجود كل منهما ضروري للآخر، فلا معني للحياة بغير حلم يسعى المرء لتحقيقه.

أجابته قائلة  "الأحلام هي أغلى ما يمتلكه الإنسان، وما يخشى عليه من الضياع، وما يريده كما ينبغي أن تكون الإرادة الحقة، وهي ما تستحق أن نترك بلادنا وأهلينا وأن نرتحل في البلاد بحثاً عنها، وهل نصل إلى أحلامنا دون ترحال؟!"

تعلق بكلماتها مشدوهاً راغباً في سماع المزيد فقال لها "أنت تتحدثين بكلمات لم أعتد سماعها من قبل، أحب أن أسمع منك أكثر عن تلك الأحلام، وأود مشاركتك في هذا المكان الذي تحلمين فيه."

لم تعتد هي مشاركة الغرباء لأحلامها، لكنها لم تكن لتترك قط رجلاً لا يعرف الأحلام دون أن تمد إليه يد العون وتنتشله من غياهب ظلمات بحر الواقع المخالفه رياحه سبل السفن دوماً. فجلست بجواره على بقعة أحلامها في رفق؛ ثم نظرت نحو المدينة الماثلة أمامهما ببيوتها القصيرة التي ترغم قاطنيها على الانحناء دوماً، وطرقاتها المكتنزة رغم فيضها بالبؤس والقذارة على سالكيها.

تطلع إليها قائلاً وهو يبتسم للمرة الأولى منذ وقت بعيد "كيف تحلمين في هذا المكان؟"

قالت "عندما آتي هنا أتطلع بالنظر إلى عالمي كله، أبحث بعيني عن بيتي، أحاول التفكير في حياتي منذ أن ولدت، واسترجع الذكريات كلها، ثم أنظر إلى ذلك الطريق الذي يخرج من المدينة متجهاً صوب المدن الأخرى، وأتخيل نفسي سائرة فيه، وأحاول تخيل بلاد بعيدة سعيدة وأشياء جميلة لا أدري كنهها، فقط هي تشعرني بالسعادة وأنني راضية، أعتقد أنها أحلامي التي تحققت في ذلك المكان البعيد، ولا أدري بعدها إلام يذهب الطريق، وأين سينتهي المسير، فما زالت أرض أحلامي التي أتخيلها لم أطأها بقدمي بعد. إلا أنني دوماً أخشي أن هذا الطريق الذي يخرج من المدينة يعود إليها مرة أخرى مباشرة، دون المرور بمحطات أحلام الحب أو السعادة أو الرضا، لحظتها فقط سيصير العمر تيهاً، وسأدرك ضياع الحياة!"

أوجمت قليلاً ثم قالت "وأنت.. ماذا عنك؟!"

أجابها وهو يطأطئ رأسه خشيه أن تلتقي عيناها بعينيه المهزومتين "أنا رجل لا يعرف الأحلام، فأنى له أن يحلم وأن يمتلك حلماً؟!"

اغرورقت عيناه بالدموع دون أن يشعر. انهار السد أو ما يحسب أنه سد أمام سيل ذكرياته المهزومة دوماً. تتسع هوة الصمت فيما بينهما حتى تكاد تبتلع المكان بما فيه. جن الليل وأرخي سدوله وهو على هذه الحالة. اتضجع على ظهره فوق تلك الكائنات الخضراء الرقيقة. استشعر أوراق تلك النباتات الضئيلة وهي تمس شعره برقة. شبك يديه ووضعهما خلف رأسه، ثم اغمض عينيه واستمع حفيف أوراق الشجر المتناثر فوق التلة الخضراء، ثم أخذ شهيقاً عميقاً من نسيم الليل البارد قليلاً عله يغسل به حيرة روحه.

اتضجعت هي بجواره على العشب في هدوء خشية قطع خلوته الصامتة، فابتهج العشب برقة قدها الممدود عليه، وحملها فوقه كأنها سحابة شفيفة ذات غلالة رقيقة بيضاء.

يفتح هو عينيه على اتساعهما محدقاً في سماء تلك الليلة التي أشرق قمرها المتبدي في تمامه. تمر سحابة رقيقة أمام القمر المكتمل. تحجب جزءاً من شعاعه الفضى وتجعله باهتاً. يشرد بصره فى سماء الليل. ترحل السحابة عن السماء فى صمت وهدوء. لا يشعر هو برحيلها، بل نسي وجودها من الأساس. يتأمل نجوم السماء الصافية التي تزداد تألقاً والتماعاً كأنما تصحو من سبات لتلبي ذلك النداء الخفى الذى عبر الأزمان والأكوان ليصل فى ميعاده تلك الليلة. سبات النجوم العميق الذي استغرق ألاف السنين بحساب عمره الضائع. إلا أنها أفاقت الليلة، لتمس في قلبه وتراً بث فيه النبض من بعد طول رقاد في عتمة السكون.

"لقد كنت أحلم فيما مضي!"قالها فجأة.

ثم استرسل "لم أعد أذكر منذ متي؟! فقد ماتت أحلامي منذ وقت بعيد. كل ما أذكره شاردة تلوح في أفق ذكريات الطفولة اللاهية عندما كنت أنام كل ليلة ملتحفاً السماء. إنها السماء بنجومها اللامعة، هي مرتع أحلامي المنسية. لطالما شدتني تلك السماء بالتحديق فيها، ومحاولة سبر أغوارها، وبلوغ نهايتها اللا نهائية. هذا ما كنت أريده لأحلامي أن تكون عليه؛ لا نهائية، بلا سقف، ولا حدود لها، سرمدية كهذا الكون الفسيح."

يسكت قليلاً ثم يشير بإحدي يديه إلى النجوم قائلاً "وهذه النجوم اللامعة البعيدةكانت - هي أحلامي ذاتها. تلك النجمة الصغيرة ذات الضوء المتردد الخافتكانت - هي ذكريات الطفولة الحلوة؛ وتلك النجمة المجاورة الأكثر لمعاناًكانت - هي العلم الذي طالما حلمت بالإبحار فيه؛ وتلك النجوم المتراصة وراء بعضها في خط متعرجكانت - هي تطوافي حول العالم بكل المدن الأخرى والبلاد البعيدة السعيدة برحلة البحث عما لا أدريه ولا أعلمه، ربما الحقيقة وربما الحب وربما السعادة وربما الرضا، وربما سر آخر لم يعلمه أحد من قبل، أو علمه الخاصة اللذين ارتحلوا في البلاد بحثاً عنه؛ أما تلك النجمة الكبيرة ذات الضوء الساطعكانت - هي إمرآتي الجميلة التي سألقاها يوماً ما، لتكتمل بها الحياة ويستمر المسير؛ وتبقى تلك النجمة البعيدة، أبعد النجوم وأكثرها لمعاناً، والتيكانتتعدني بالمزيد والمزيد، فأنا لم أكن أعرف ما ورائها، إلا أنني كنت أثق تمام الثقة أنه عند الوصول إليها سأجد آفاقاً أرحب وسماوات جديدة أحلم فيها كما أشاء!"

سكت للحظة وأرجع يده وراء رأسه مرة أخرى ثم أكمل "لكنني في أحايين كثيرة كنت أنظر إلى السماء فأجدها ليست سمائي، بل سماء أخرى لم تعد كما كانت تلك السماء التى تعد بالكثير. لقد صارت بلا نجوم، وبلا أحلام. فلم أعرف وقتها ماذا جرى للسماء؟ أو ماذا جرى لي؟ من الذى تغير فينا؟ هل تغيرت السماء؟! هل تغيرت تلك اللوحة السرمدية فجأة؟! أم أنا الذى تغيرت قبل الأوان؟! لم أعرف الإجابة وقتها؛ وظل الشىء الأكيد أن السماء لم تعد كما كانت!"

أمال رأسه ناظراً إليها ليرى ردة فعلها على ما قاله. فوجدها تنظر إليه في تحنان ثم قالت "وماذا حدث بعد ذلك؟"

عاد إلى الشرود في الأفق، ثم أكمل حكايته "وظلت السماء دون أن تعود كما كانت، حتى مسني اليأس، وشاخت روحى، وصار البؤس رفيقي. وأستفقت فجأة لأجد أن عهد أحلام الطفولة قد أنقضى وولى بغير رجعة، وأنه ينبغي علي أن أكون كالرجال الموجودين بمدينتنا. يومها قررت أن أقتل أحلامي وأتخلى عنها، بل وأنسى وجودها من الأساس؛ لأعتاش فقط بلقيمات يقمن صلبي، كما يعتاش الرجال في تلك المدينة، واللذين لا يعرفون الأحلام أو عبث الطفولة كما يسمونها هم. ببساطة شديدة قتلت أحلامي كي يتم لي اكتمال رجولتهم، وأن أصير مثلهم."

نظرت إليه ومبادي الدمع تترقرق في مقلتيها، ثم أردفت "وهل كان الأمر بهذه البساطة؟ قتلت أحلامك ونسيتها هكذا!"

أجابها وهو يتحاشى النظر إليها "في الأيام الأولى كان الأمر عصياً، وكنت استرق النظر إلى السماء ليلاً أثناء هجوعي. لكنني وبمرور الوقت تعلمت منهم أن أمشي منكس الرأس لا أرى سوى التراب، حتى صار الأمر عادياً. ولم أنظر إلى سماء قط منذ ذلك الحين إلى الليلة!"

سكت هنيهة حملت في طياتها عذابات من ضاعت أعمارهم سدى وصارت حيواتاهم تراب. ثم نظر إليها وقال "ما رأيك في تلك الحكاية.. حكاية من باع أحلامه وأشتري بثمنها بؤساً مقيماً، وحياة موءودة، ونفس شائهة باهتة الملامح كمثلها من نفوس السراب؟!"

نظرت إليه بدورها. ثم قالت "أتعرف، في حكايتك تلك نسيت شيئاً مهماً.. ماذ عن القمر؟"
وأشارت بيدها بحركة مسرحية نحو القمر الفضي المتبدي في كامل تمامه ليزيد من رونق ذلك الليل البهي، ويرسل شعاعه الفضي السحري إلي تلك البقعة التي امتزجت فيها الأحلام بخضرة العشب وبياض الزهور.

ثم أكملت "ألا تعرف أن القمر يسطع كاملاً مكملاً مرة واحدة فقط في الشهر. وذلك على الرغم من أنه يظل يصول ويجول في السماوات طوال الشهر، غير مكتمل في كثير من الأحايين، ومظلم تماماً في أحايين أخرى؛ إلا أن إشراقته الوحيدة تلك تغمر آفاق السماء، وتنير حلكة الليالي الأشد سواداً وقتامة."

ابتسمت في جذل ثم واصلت حديث قمرها "وهكذا هي الأحلام؛ تحسبها خافية بين ثنايا العتمة، إلا أنها في حقيقة الأمر تنمو وتترعرع في بطء شديد حتي تكتمل شيئاً فشيئاً وتصير تامة كاملة. ساعتها فقط ستخرج إلى النور، بل ستصير هي النور ذاته؛ وستضيء لك سماواتك كلها ما اتقضى منها، وما هو آت؛ وستبصر لحظتها كم كان الطريق طويل وشاق، وكيف خانتك قدماك مع طول المسير، وكيف أظلمت عيناك ولم تعد تبصر الحلم، وكيف تاه عقلك وزاغ عن معنى الوجود الكائن في تحقيق الحلم، وكيف ظننت أنك قد قتلت الحلم ولكنك فقط غيبته عن الحياة بضع لحظات مهما طالت؛ وستدرك ساعتها أن كل هذا لم يكن إلا جزءاً من الطريق ولكنه الأشد إظلاماً وقتامة وعتامة فيه."

وكأنما كانت كلماتها تلك هي طوق النجاة الذي انتشله من عتمة بحور الظلمات إلى نور سماوات أحلامه الضائعة. فأخذ يستعيد الكلمات في عينيها، ليرى في صفاءهما القمر الذي تحدثت عنه وهو يدور في فلكه حتي ينبعث من العتمه تاماً دون نقصان ينير الكون بآسره ببريق عينيها.

استمر في تحديقه مقطوع الأنفاس مبهوراً بالحقيقة التي غمرت روحه فجأة لتمطرها بالأمل مخلفة ورائها أقواس قزح من عالم آخر، لا بد وأنه حيث البلاد البعيدة السعيدة. وتبدى له الطريق الخارج من مدينته كما قالت هي طريق الترحال نحو الأحلام، فلن يبلغ أحداً حلمه دون ترحال.

أشار بيده نحو الطريق وقال "لقد أبصرت الآن البداية، ولكن الطريق إلى الحلم لا ينبغي أن يسير الناس فيه فرادى، هلا تأتين معي ونمر بمحطات أحلام الحب والسعادة والرضا سوياً؟!"

لم تجبه، ولكنها أطلقت العنان لقدميها نزولاً من على تل الخضرة والزهور والأحلام نحو الطريق. سبقته بخفتها حتى كادت أن تطير من فرط رقة وقع قدميها على العشب الأخضر، حتى أن سيقان تلك الأعشاب لم تنثن إثر مسيرها عليه بل  ترعرعت وانتشت بتلك الملامسة العابرة الرقيقة كخفة نسائم ليلة صيفية حالمة.

وعند السفح توقفت. ومدت يدها إليه ليتلقفها هو. سارا معاً في الطريق المعبد بضوء القمر، يغالبان الريح التي تهب بعنفوان ناحية المدينة. نظر إليها متجاهلاً الريح قائلاً "ما أسمك يا رفيقة الدرب؟"

قالت "سَاْرَّهْ."


محمد السنباطي
الإسكندرية - فبراير 2013

"ألا تعرف أن القمر يسطع كاملاً مكملاً مرة واحدة فقط في الشهر. وذلك على الرغم من أنه يظل يصول ويجول في السماوات طوال الشهر، غير مكتمل في كثير من الأحايين، ومظلم تماماً في أحايين أخرى؛ إلا أن إشراقته الوحيدة تلك تغمر آفاق السماء، وتنير حلكة الليالي الأشد سواداً وقتامة."

الثلاثاء، 22 يناير 2013

كشكُول اللبّاد




كشكول بضم بين دفتيه تلك الأشياء الصغيرة الجميلة التي تناسيناها في سكرات الحياة. نستعيد في صورها ورسومها نشوات قديمة تنبعث من بين ثنايا الذاكرة ومنعطفاتها، تستمر لحظات نتنسم فيها عطر الطفولة اللاهية ينساب في رقة وخفوت ليتركنا في خلق جديد.  

عن تذاكر الترام وبطاقات البريد العتيقة، عن رائحة الصور وعبق الذكريات، عن حلم الطفولة بالعمل كسائق للترام، عن حكايا مجلات الأطفال ولهفة إنتظارها، عن دفتر سري أحمر اللون، عن البطاقات المسافرة عبرة الأمكنة والأزمنة، عن أصدقاء الخطابات القادمة من بلاد ساحل العطر، وعن إكتشافات طفولية على ورقة جنيهات عشرة، عن لمسة ظل الطائرة، عن أمزجة رسم الزهور، عن قطط العالم وقطي أنا، عن رسوم المطبعة كما ينبغي أن يكون الرسم، عن ذئاب مرسومة لا تشبه الصور الفوتوغرافية، عن لون بشرة الجسم المستورد ولون بشرتنا الأسمر، عن أبطالنا المبتدئين باليمين وأباطيلهم المرسومة من اليسار، عن فوق وتحت عندما يكون الجنوب شمالاً، عن طغراء السلاطين المرسومة بخط الثلث، عن بسم الله والكمثرى، عن الرسم الحي والأمنيات المحققة، عن سجاد الحرانية ورسوم الأجداد، عن ترحيب الكتب بقرائها والمساحات التي نتركها للآخر، عن أجسامنا حين تكون لوحات جميلة، عن أحمق الحكايات الذي يشبهنا جميعاً، وعن توقيع صاحب الكتاب الفقير الحقير المعترف بالعجز والتقصير محيي الدين اللباد.

ذلك الكشكول بصفحاته الأربعين يترك في الروح آثاراً عميقة تتوارى ورائها ندوب الزمن وشقوق العجز والوهن، أسبغ علينا فيها اللباد من روحة الرقيقة الرقراقة بعضاً من فيضها ليجدد في نفوسنا معاني الوصال بين ذكريات الماضي المنسية وأحلام المستقبل التي كادت أن تضيع وسط تيه الحاضر الأبدي. رحمك الله أيها اللباد بما أحييت في نفوسنا من جمال أفتقدناه منذ وقت طويل للغاية.

أرشحه للقراءة و"الفرجة" بشدة؛ فكشكول الرسام تحفة بصرية فريدة نفتقد مثلها في عالم الكتب المكدسة بالكلمات ليصير إستراحة قصيرة من حياة التفاصيل المملة إلى تفاصيل الحياة الممتعة المنسية.

الاثنين، 21 يناير 2013

إنْتَرْفِيٌّوْ




في إحدى رحلاتي البائسة للبحث عن وظيفة مكنتش عايزها –مندوب طبي "ميديكال ريب"- بس الناس كانوا شايفين إن ده شغلي اللي لازم اشتغله دار الحوار التالي:

" الموظف: أنت كاتب في السي في إنك بتحب القراية وبتحب تكتب قصص قصيرة.
أنا: مظبوط.
الموظف: وبتلاقي وقت للكلام ده؟
أنا: طبعاً.
الموظف: إزاي؟
أنا: هي مسألة تنظيم وقت .. أنا عودت نفسي أقرا بالليل قبل ما أنام. سطر.. صفحة.. 100 صفحة المهم أقرى حاجة. والكتابة دي بتبقى بظروفها لما ألاقي فكرة تسيطر على دماغي وتخليني أكتب عنها بلاقي الوقت اللي أكتبها فيه.
الموظف: طب تفتكر ده مش بيعطلك عن شغلك؟
أنا: لأ ده ليه وقت وده ليه وقت ودايماً في أولويات .. هي مسألة تنظيم وقت مش أكتر.
الموظف: طيب.. مكتوب في السي في برضك إنك بتشارك في نشاطات كتير وبتحب تعمل حاجات كتير جنب دراستك أو شغلك.
أنا: تمام
الموظف: بتجيب وقت لده كله منين؟
أنا: تنظيم وقت زي ما قلت لحضرتك.
الموظف: د. محمد.. أحب أعرفك إنك لو اشتغلت معانا مش هتقدر تعمل حاجة من الحاجات اللى أنت بتحب تعملها خالص.
أنا: ليه؟!
الموظف: كده.. مش هيبقى عندك وقت.. وقتك ومجهودك كله للشركة.
أنا: هو أنا لو اشتغلت في الشركة هشتغل كام ساعة في اليوم؟
الموظف: المفروض بين 8 و 10 ساعات يومياً.
أنا: اليوم باقي فيه 14 ساعة ممكن أعمل فيهم حاجات كتير.
الموظف: بس ضغط الشغل هيكون عالي ممكن يوصل لـ 16 ساعة في اليوم.
أنا: يبقى لسه فاضل في اليوم 8 ساعات.
الموظف: أنت هتبقى ميت.. لازم تريح فيهم عشان تكمل تاني يوم.
أنا: ممكن لما أعمل الحاجات اللي أنا بحبها ولو لمدة ساعة واحده بس هريح نفسي أكتر.. وبعدين ده وقتي وأنا أقدر أنظمه كويس.
الموظف: مينفعش.. أنت لو اشتغلت معانا هتبقى حياتك كلها لينا.. ده أنت هتنام تحلم باللي عليك والتارجت بتاعك.
أنا: ده وقتي وأنا بعرف أنظمه كويس وأعرف إزاي أخلي وقت الشغل للشغل والوقت اللي فاضل للحاجات اللى أنا بحب أعملها.
الموظف: مش هتقدر الوقت ميكفيش حاجة جنب الشغل.
أنا: ممكن أسأل حضرتك سؤال؟
الموظف: اتفضل.
أنا: حضرتك بتيجي الشغل وبتروح منه في المواصلات بتاخد وقت أد إيه كل يوم؟
الموظف: ساعة أو ساعة ونص تقريباً.
أنا: حضرتك بتعمل فيهم إيه؟
الموظف: ولا حاجة.
أنا: بالنسبة لي ده وقت كبير ممكن يتعمل فيه حاجات كتير من اللي بحبها.. ممكن أقرى مثلا.. وممكن أكتب.. أو ممكن أقعد أفكر وأخطط لحاجة أنا عاوز أعملها.. بس عمرى ما بعتبر ده وقت ضايع. الفكرة كلها في كده.. كل الناس شايفة أوقات كتير في حياتها ضايعة وملهاش لازمة لكن في الحقيقة الوقت كبير جداً وممكن تستغله في حاجات كتير تعملها تنفعك أو أنت بتحبها وبتخليك مبسوط.
الموظف: د.محمد.. أحب أبلغك إن حضرتك مكنش ليك نصيب معانا.. إحنا عايزين حد الشركة تبقى حياته كلها ومعندهوش حاجات كتير يفكر فيها وبيحب يعملها. "

الموقف ده اتكرر معايا أكتر من مرة. وأعتقد إنه اتكرر مع الغالبية مننا. السؤال هنا.. ليه دايماً مينفعش يكون في حياتنا حاجة بنحب نعملها؟ ليه لما اشتغل في مكان لازم يطمس معالم شخصيتي، ويدفن مواهبي وإمكانياتي وقدراتي لو كانت بعيدة عن مجال الشغل؟ ليه المطلوب مننا إننا عشان نكون في عيون الناس ناجحين إننا نخش في قالب، ونبقي نسخ من ناس تانيين مش إحنا؟ ليه فكرة إننا في الشغل لازم نكون عبيد بنلف في ساقية، وكل ما تدور أسرع يبقى أنت أشطر؟

المشكلة دي مش مشكلة مكان شغل، دي مشكلة مجتمع كامل بيحاول يدفن مواهب الناس وقدراتهم وأحلامهم، ويرصهم في قوالب جامدة محددة ترسم أهدافهم في حياتهم كلها. والعملية دي كلها بتخلي كل واحد ينسى هو مين وعايز يعمل إيه في حياته؟ وإيه الهدف من وجوده في الدنيا في الوقت ده وفي المكان ده وبالقدرات الإمكانيات دي؟ وليه هو كده مش حد تاني؟

حد جرب قبل كده يعمل إنترفيو لنفسه؟ جرب تلبس لبس يريحك أنت بتحبه مش كلاسيك بدلة وقميص كم طويل في عز الحر وجرفتة سخيفة تخنقك، واقعد قدام المراية واتكلم مع نفسك بصوت عالي، أسأل نفسك أسئلة عشان تعرفها أكتر، شوف هي مين؟ وجاية ليه هنا؟ وعايزة إيه؟ ونفسها تبقى فين دلوقتي وقدام؟ وهي بتعمل إيه عشان توصل؟ وشوف نفسك هتجاوب إزاي، وهتعرف تجاوب على أسئلتك لنفسك وللا لأ، واحكم على نفسك يا ترى هتقبل تشغل نفسك عندك ولا هترفضها، ولو رفضتها هتعمل إيه عشان تغيرها وتقبل نفسك تشتغل عندك وهتاخد وقت أد إيه.

على فكرة ده هيبقى أهم إنترفيو في حياتك. ونصيحة متروحش أي إنترفيو غير لما تعدي إنترفيو نفسك الأول. وخليك دايماً فاكر إن الحياة كلها إنترفيو كبير.. أسئلة كتير لازم تجاوب عليها، وإمتحانات صعبة لازم تعديها.. وأهم حاجة إنك تكون دايماً مستعد.

الأربعاء، 2 يناير 2013

ثلاث رسائل أندلسية


ثلاث رسائل أندلسية
في الذكرى الـ 521 لسقوط الأندلس




الرسالة الأولى


" السلام على من اتبع الهدى، ولا غالب إلا الله.

أما قبل،

بعد أن من الله بفتح البلاد، وأتم نعمته بدخول دينه أفواج العباد. صارت الأندلس أرضاً إسلامية، عدا مكان واحد يعرف بإسم "صخرة بلاي" ألتجأ بها قائد قوطي ومعه ثلاثون مقاتلاً فقط تحصنوا بإحدى مغاراتها الحصينة. والحادث مما روى في كتب التاريخ أنه لما عاد الفاتح "موسى بن نصير" إلى الأندلس عام 95هـ/714م اتجه لشمال غرب البلاد، ولما كان في "أشترقة" بلغه "مغيث الرومي" رسول الخليفة "الوليد بن عبد الملك" برسالة فحواها أن يوقف الفتوحات ويعود إليه في دمشق، لكن موسي لاطف رسول الخليفة ليتابع معه الفتوحات فوافقه، واستمرت الفتوحات حتى بلغت سرايا المسلمين "صخرة بلاي" في أقصى الشمال، عندئذ جاء رسول آخر من الخليفة أمسك عنان فرس موسى وأرجعه معه إلى دمشق، ولم تفتح تلك المنطقة وبقيت هي الوحيدة الشاردة عن رقعة الإسلام في الأندلس، ومما يدعو للدهشة والعجب بقاء تلك المنطقة دون فتح طوال بقاء المسلمين في الأندلس. ولا أعلم ما الذي حمل المسلمين على تغافل تلك المغارة ذات الثلاثين رجلاً بعد ذلك، فبالطبع لم يبق الثلاثون على حالهم. وربما كانت تلك بداية السقوط، حتى وإن بدا بعيداً بعد ثمانية مئات من الأعوام. "



الرسالة الثانية


" السلام على من اتبع الهدى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أما خلال،

الحمد لله الذي بلغنا قرطبة، زهرة الأمصار، والتحفة التي تزيغ فيها الأبصار. يسير السائر متعجباً واصلاً صباحه بلياليها، فلا تنقطع الدهشة ولا مرائي النظر فيها. قنطرة واديها، والكبير جامعها، وزهراء ضواحيها، والعلم أعظم ما فيها؛ تلك الأربع التي فاقت بها من حاول أن يجاريها. قرطبة لألف عام سبقت، وبألف عام للحضارة سبقت؛ كان لها من المساجد ألاف ثلاثة، ومن البيوت مائتا ألف، ومن الدور والقصور ستون من الألاف، ومن الحوانيت ثمانون ألف، ومن الحمامات تسعة مئات، ومن الضواحي الثماني والعشرون يقطنها نصف ألف ألف من البشر. تغص مدارسها بالدارسين، وتزدان جامعتيها بالعالمين، فلم يعرف بها من لا يقرأ ولا يكتب. كثرت بها المكتبات عامتها وخاصتها حتي صارت أكثر بلاد الله كتباً، وأغزرها علماً. فيها من الصناعات والزراعات ما يكفي الدنيا، ومن الأسواق ما عن سواها يغنيها. رصفت طرائقها، ورفعت قمامتها، وأضيئت لياليها. كثرة محاسنها أعيت واصفيها، فكانت للعالم جوهرة يتيه بها ساكنيها. "



الرسالة الثالثة


" السلام على من اتبع الهدى، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

أما بعد،

فإن أمر الله قد تم. سقطت غرناطة، وعلى تل "زفرة العربي الأخيرة" كانت الدموع، وظننا أنها دموعنا الأخيرة، وأن العِبرة من الحكاية معلومة بالضرورة، فلن نبك ثانية ملكاً يضيع منا نحن الرجال. وسقطت الخلافة، وسقطت فلسطين، وسقطت العراق، وسقطت وسقطت و.. رسبنا في إختبار التاريخ، وإختبار الرجولة. صارت زفرة العربي الآخيرة آهات عديدة مديدة، وبكينا كالنساء ثانية، ولكن هذه المرة بحراً أو محيطاً. وماذا بعد؟ سؤال إجابته أندلسية من بين ثنايا الحكايا المنسية، التي أُنسيناها أو تناسيناها! "



على هامش الرسائل الثلاثة


حلم العودة يفضي إلى طريق، وأول الطريق معرفة، والمعرفة –لا محالة- سترجع بنا إلى التاريخ، والتاريخ حكايا، وفي طي كل حكاية عِبرة، والعِبرة تستدرج العَبرة. وكي لا تكون العَبرات هي الملاذ، قم وأحيي الفكرة، اقرأ كثيراً، واخبر أكثر، أوقد لهيب الفكرة المستعر، وازرع بذرتها في كل قلب ذو حنين وشجن، تطرح لك أشجاراً وملاذاً تحتمي به في الطريق، فالطريق إلى الأندلس طويل.. طويل جداً.

من حكايا التاريخ:

سلسلة "الأندلس.. من الفتح إلى السقوط" لد. راغب السرجاني
سلسلة محاضرات صوتية تتناول قصة الأندلس كاملة من لحظة قتحها إلى أن سقطت. قصة 800 عام تسمعها في 12 ساعة فقط.
رابط المحاضرات على موقع Youtube


كتاب "الأندلس التاريخ المصور" لد. طارق سويدان
كتاب شيق يتناول تاريخ الأندلس كله مدعوم بمجموعة هائلة من الصور والخرائط يجعل من قرائته تجربة شائقة.
رابط الكتاب على موقع Goodreads


رواية "ثلاثية غرناطة" لد. رضوى عاشور
ثلاثية روائية من أبدع ما يكون عن السقوط الأخير للأندلس والترحيل منها. تتكون من ثلاث روايات منفصلة متصلة هي: "غرناطة"، "مريمة"، و"الرحيل". ستغير بك الكثير وستدرك بعدها جزءاً يسيراً من ألم سلب الوطن والهوية والروح.
رابط الكتاب على موقع Goodreads


فيلم "المطرودون: 1609، مآساة المورسكيين" (EXPULSADOS 1609, LA TRAGEDIA DE LOS MORISCOS)
فيلم يحكي قصة عائلة موريسكية يتم تهجيرها بعد قرار الطرد الجائر الذي صدر عام 1609م.
رابط لمشاهدة الفيلم على موقع "الموريسكيون في تونس"


مجموعة تدوينات "وعادت الأندلس: خواطر أندلسيّة لحاضر يعانق الماضي بشغف!" لعمر عاصي
مجموعة مميزة من التدوينات لرحلة معاصرة للأندلس نبصر فيها سحر فردوسنا المفقود.
روابط التدوينات على مدونة "عالم الإبداع": 1، 2، 3، 4، 5، 6.